من هو بودو/غليمت؟ كيف صنع النادي النرويجي الصغير أكبر مفاجأة في تاريخ دوري أبطال أوروبا
واصل بودو/غليمت النرويجي مشواره الخيالي في دوري أبطال أوروبا بعدما أقصى إنتر ميلان، وصيف النسخة الماضية، في واحدة من أكبر مفاجآت تاريخ البطولة.
بعد موسم واحد من أن يصبح أول نادٍ نرويجي يبلغ نصف نهائي مسابقة أوروبية، عقب مشوار لافت في الدوري الأوروبي، واصل فريق المدرب كيتيل كنوتسن مسيرته الصاعدة بشكل مذهل بتأهله، في أول مشاركة له، إلى دور الـ16 من دوري أبطال أوروبا. كما يعمل بودو/غليمت بميزانية لا تمثل سوى جزء بسيط مقارنة بميزانيات أكبر الأندية الأوروبية.
يُعد بودو/غليمت، الذي كان ينافس في الدرجة الثانية النرويجية حتى عام 2017، الفريق الأكثر شمالاً في التاريخ الذي يشارك في دوري أبطال أوروبا. ويتخذ النادي مقراً له في بلدة بودو الصغيرة، على بُعد 16 ساعة بالسيارة شمال أوسلو وداخل حدود الدائرة القطبية الشمالية، حيث إن كامل عدد سكانها البالغ 55 ألف نسمة كان بإمكانهم السفر إلى ملعب سان سيرو الشهير الخاص بإنتر، ومع ذلك كانت ستبقى الكثير من المقاعد الشاغرة.

فتح الصورة في المعرض
(Getty Images)
واللافت أن فريق كنوتسن يخوض هذه الفترة خارج الموسم؛ إذ انتهى الدوري النرويجي الممتاز في 30 نوفمبر 2025 بسبب الشتاء، ولن يستأنف إلا مع حلول الربيع في أبريل. ومع ذلك، وخلال هذه الفترة، تمكن بودو/غليمت من الفوز على مانشستر سيتي وأتلتيكو مدريد، كما أطاح بعملاق الكرة الإيطالية إنتر، المتصدر بفارق كبير للدوري الإيطالي، بعدما هزمه ذهاباً وإياباً.
حمل بودو/غليمت أفضلية هدفين إلى ملعب سان سيرو بعد فوز لافت بنتيجة 3-1 في النرويج، حيث يمتلك سجلًا مميزًا على أرضيته الصناعية في ملعب أسبميرا الذي يتسع لـ9 آلاف متفرج. ثم مساء الثلاثاء، صمد الفريق أمام فترات ضغط طويلة قبل أن يستغل ينس بيتر هاوغ خطأ مانويل أكانجي ليصمت مدرجات سان سيرو.
ومع اكتساب بودو/غليمت الثقة، أضاف هاكون إيفين هدفاً ثانياً رائعاً من هجمة مرتدة، ليضع إنتر أمام مهمة شبه مستحيلة، رغم تقليص أليساندرو باستوني للفارق. الفوز بنتيجة 5-2 في مجموع المباراتين لا يشير فقط إلى أزمة داخل إنتر، بطل أوروبا ثلاث مرات، وفي كرة القدم الإيطالية عموماً، بل يبعث أيضاً بموجات صدمة في أرجاء كرة القدم الأوروبية.
في النرويج، يجري الاحتفال بأول نادٍ نرويجي يفوز بمواجهة إقصائية في دوري أبطال أوروبا منذ موسم 1987-1988. كما أصبح بودو/غليمت أول فريق من خارج الدوريات الأوروبية الخمس الكبرى يحقق أربعة انتصارات متتالية على أندية من إنجلترا وإسبانيا وإيطاليا وفرنسا منذ أياكس يوهان كرويف في موسم 1971-1972، وهو الموسم الذي تُوِّج فيه بكأس أوروبا.
مثل هذه الأمور لا يُفترض أن تحدث في أوروبا هذه الأيام.
غالبًا ما يُشاد بالبيئة المتماسكة والتي تضع مصلحة الفريق أولًا في بودو/غليمت باعتبارها العامل الأساسي وراء مسيرته اللافتة. المدرب كنوتسن، الذي يتولى المسؤولية منذ عام 2018، ارتبط اسمه بعدة مناصب كبرى ودوريات أقوى خلال صعود النادي، لكنه رفض العروض مفضلًا البقاء مع بودو/غليمت، حيث وقّع مؤخرًا عقدًا يمتد حتى عام 2029.
وقال لقناة TV 2 في يناير/كانون الثاني: «بالنسبة لي، الناس هم الأهم». وأضاف: «هذا يعني أكثر من كل الألقاب. أنت تعمل دائمًا من أجل الفوز بشيء ما، وهذا رائع. لكن متعة الفوز مع الآخرين هي الأهم. لا بد من وجود بيئة يهتم فيها الناس ببعضهم البعض – وأشعر أننا نجحنا في خلق ذلك في بودو/غليمت».
يُعد هاوغه، هداف فريق بودو/غليمت في دوري أبطال أوروبا هذا الموسم برصيد ستة أهداف في تسع مباريات، مثالاً على هذه الروح. اللاعب البالغ من العمر 26 عاماً انضم إلى ميلان في عام 2020 بعد أن أسهم في الصعود المبكر لنادي مدينته، قبل أن يلعب مع آينتراخت فرانكفورت في ألمانيا وجنت في بلجيكا، في محاولته لإثبات نفسه على مستوى أعلى في كرة القدم الأوروبية.
لكن هاوغ، عند عودته إلى بودو، توصّل إلى القناعة نفسها التي شعر بها بعض زملائه بأن الوطن كان في النهاية المكان الأنسب له. وقد أسهم ذلك في تعزيز روح التلاحم داخل نادٍ يبدو وكأنه صنع شيئاً مميزاً.

فتح الصورة في المعرض
ينس هاوغ يحتفل بتسجيله هدفًا في ملعب سان سيرو (AFP عبر Getty Images)
وهناك أيضًا تأثير بيورن مانسفيرك، الطيار المقاتل السابق الذي تحول إلى مدرب ذهني، والذي تُعد أساليبه غير التقليدية جزءًا من قصة النادي. انضم مانسفيرك إلى النادي في عام 2017 عندما كان الفريق يلعب في الدرجة الثانية من كرة القدم النرويجية، لكنه أحدث تحولًا جذريًا في سلوك اللاعبين من خلال التأمل والتركيز على العملية بدلاً من النتائج داخل الملعب.
قال مانسفيرك لوكالة أسوشييتد برس في الموسم الماضي: «إنها حكاية خيالية، تكاد تكون معجزة. كيف يمكنك الانتقال فعليًا من الدرجة الثانية في عام 2017 إلى اللعب في دوري أبطال أوروبا… لكنني أعتقد أن ذلك ممكن... إذا كانت لديك العقلية الصحيحة وعملت بجد على مدى الوقت».
تُوِّج بودو/غليمت بلقب الدوري النرويجي الممتاز للمرة الأولى في عام 2020، وكرر الإنجاز في 2021 و2023 و2024، لكن قصته الحقيقية بلغت ذروة انتشارها على الساحة الأوروبية.
حققوا أولى مفاجآتهم الكبرى في عام 2021 بفوزهم الكاسح على روما بقيادة جوزيه مورينيو بنتيجة 6-1 في دور المجموعات من دوري المؤتمر الأوروبي، ليصبحوا أول فريق يسجل ستة أهداف في شباك فريق يدربه مورينيو. كما أقصوا سيلتيك في الأدوار الإقصائية، قبل أن يتعرضوا للخسارة أمام روما في ربع نهائي اتسم بالتوتر.
على أرضيته الاصطناعية، حقق بودو/غليمت سجلاً قوياً على ملعبه خلال مشواره في الدوري الأوروبي الموسم الماضي، بعدما تغلب على تفينتي وأولمبياكوس ولاتسيو، قبل أن يخسر في نصف النهائي أمام توتنهام، المتوج باللقب لاحقاً.

فتح الصورة في المعرض
(غيتي إيمجز)
لم تكن المشاركة الأولى لبودو/غليمت في دوري أبطال أوروبا تسير كما هو مأمول بعد ست مباريات. وقبيل استضافة مانشستر سيتي بقيادة بيب غوارديولا في يناير، كان الفريق النرويجي بلا أي انتصار، فيما كانت آماله في بلوغ الأدوار الإقصائية معلقة بخيط رفيع.
لكن عودة إيرلينغ هالاند إلى النرويج طغت عليها هيمنة بودو/غليمت، الذي حقق أكبر انتصار في تاريخه. وبعد أسبوعين، توجه الفريق إلى ملعب أتلتيكو مدريد بقيادة دييغو سيميوني، وقلب تأخره إلى فوز 2-1 ليحجز بطاقة العبور من مرحلة الدوري.
أسفرت قرعة الملحق عن مواجهة صعبة لبودو/غليمت أمام إنتر، متصدر الدوري الإيطالي ووصيف دوري أبطال أوروبا الموسم الماضي. وبصورة لافتة، لم تنتهِ القصة عند هذا الحد، إذ سيواجه في دور الـ16 إما مواجهة جديدة مع مانشستر سيتي أو سبورتينغ.