slide-icon

محمد صلاح وليفربول تقاسما الحلم المجيد نفسه — إرثه واضح

كما حدث مع كثير من أهدافه بقميص ليفربول، أدرك محمد صلاح أهمية تلك اللحظة. كان ذلك في يناير 2020، وكان ملعب أنفيلد يعيش أجواء من التوتر والقلق بينما حاول أصحاب الأرض الحفاظ على تقدمهم 1-0 أمام مانشستر يونايتد في الوقت بدل الضائع، حين أرسل التفكير السريع من أليسون بيكر صلاح منفردًا بالمرمى وهو يندفع نحو المدرج الشهير «الكوب». وبينما صمد أمام محاولة دان جيمس، وضع صلاح الكرة من تحت ديفيد دي خيا، ثم أوصل إلى كل مشجع لليفربول كان يتابع المباراة معنى تلك اللحظة. ولم تكن تلك آخر مرة يخلع فيها قميصه احتفالًا بهدف. لكن للمرة الأولى في ذلك الموسم، ردّ «الكوب» بهتاف: «الآن ستصدقوننا، سنفوز بالدوري» — وقد فعلوها.

كان ذلك مجرد هدف واحد من بين 255 هدفاً سجلها صلاح مع ليفربول، وهو رقم مذهل، لكنه قد يكون الهدف الأبرز. كانت هناك صلة بين «الملك المصري» وجماهيره، وفهم مشترك لما كانوا يطاردونه وحجم الطاقة التي تطلّبها ذلك. وعلى مدار تسعة أعوام، عاش صلاح وليفربول اللحظات الجيدة والسيئة، من الألقاب والأرقام القياسية إلى الهزائم وخيبات الأمل. وباعتباره شخصية غيّرت ملامح ليفربول الحديث، فهو بلا شك أحد أعظم اللاعبين في تاريخ النادي. وصلاح، المسلم المعتز بدينه، الذي كان يقبّل أرض الملعب احتفالاً بأهدافه، سيغادر أيضاً ليفربول وإنجلترا بعدما قال: «أطفالي أصبحوا الآن من أبناء ليفربول».

doc-content image

فتح الصورة في المعرض

محمد صلاح يحتفل بلقبه الثاني في الدوري الإنجليزي الممتاز أمام جماهير الكوب (Getty Images)

سيكون إرث محمد صلاح متمثلاً في بلوغ قمم استثنائية مع مستوى مذهل من الثبات والاستمرارية. موسمه الأول مع ليفربول، الذي شهد تسجيله 44 هدفاً في 52 مباراة فقط بعد قدومه من روما في يونيو 2017، تبعته مواسم عديدة ناجحة على المستوى نفسه عاماً بعد عام. وقبل هذا الموسم، لم ينخفض رصيد صلاح أبداً عن 23 هدفاً في جميع المسابقات مع ليفربول، حيث شكّل إلى جانب ساديو ماني وروبرتو فيرمينو واحداً من أكثر الخطوط الهجومية فتكاً في الدوري الإنجليزي الممتاز. كما تطور أيضاً كصانع لعب، وواصل تأثيره الهجومي حتى بعد رحيل ماني وفيرمينو. وقد تكون مساهماته الـ47 في الأهداف خلال 38 مباراة في الموسم الماضي أعظم موسم فردي في تاريخ الدوري الإنجليزي الممتاز.

وقد يختار صلاح المضي بمفرده. فقد أوحت ثورته الاستثنائية في إيلاند رود في نوفمبر الماضي، عندما اتهم ليفربول بأنه «ألقاه تحت الحافلة»، بأنه لاعب وضع لنفسه معايير استثنائية للغاية، لكنه بات يجد صعوبة في التكيف مع تراجع قدراته. والانخفاض الحاد في مردوده الهجومي، بعد فترة قصيرة فقط من كونه أبرز لاعب في فريق تُوج باللقب، هو ما يفسر سبب «توصل» ليفربول وصلاح إلى «اتفاق» ينهي مسيرته التي استمرت تسعة أعوام في أنفيلد هذا الصيف. إنه القرار الصحيح، كما يمنح صلاح فرصة لنيل الاستقبال الذي يستحقه خلال الأسابيع الأخيرة من الموسم. وكتب زميله آندي روبرتسون: «أنت تستحق وداعاً يعكس مكانتك في ليفربول - الأعظم. لا يضاهيك أحد».

يرحل وهو ثالث أفضل هداف في تاريخ ليفربول بعد إيان راش وروجر هانت. ولو أردنا اختيار «ماونت راشمور» لأساطير أنفيلد من حيث المسيرة الكروية، فربما ضم سير كيني دالغليش وراش وستيفن جيرارد وصلاح. ومن حيث التأثير الثقافي، لم يسبق لليفربول أن امتلك لاعباً مؤثراً بقدر المصري، وربما لهذا السبب كانت المناسبات النادرة التي تحدث فيها صلاح تحمل وقعاً كبيراً. لكن احترافيته والتزامه بلياقته البدنية ضمنا له أن يمدد مسيرته إلى أقصى حد. وأضاف روبرتسون من داخل غرفة الملابس: «عقليتك لا تُضاهى، ويمكن لكثيرين أن يقتدوا بها. لقد دفعت نفسك كل يوم، وكنت دائماً تطالب بالمزيد من نفسك ومن الآخرين.»

ومن اللافت أنه بالنسبة إلى لاعب سيرحل وهو يحمل سجلاً حافلاً بالأرقام القياسية والإنجازات، فإن أبرز ما يمكن أن يُؤخذ على صلاح هو سجله في النهائيات الكبرى للكؤوس. ففي دوري أبطال أوروبا، عانى أمام ريال مدريد؛ إذ تعرض لإصابة قاسية على يد سيرخيو راموس في كييف عام 2018، ثم حرمه تيبو كورتوا في باريس عام 2022. أما ظهوره الوحيد في نهائي كأس الاتحاد الإنجليزي فلم يستمر سوى نصف ساعة، بعدما خرج أمام تشيلسي بسبب إصابة في أعلى الفخذ. وقد تتوقف فرصه في إنهاء مسيرته مع ليفربول متوجاً بالألقاب على أسبوعين حاسمين بعد التوقف الدولي، حين يواجه الريدز مانشستر سيتي في ربع نهائي كأس الاتحاد الإنجليزي وباريس سان جيرمان في ربع نهائي دوري أبطال أوروبا.

doc-content image

فتح الصورة في المعرض

هدف صلاح المتأخر أمام مانشستر يونايتد قرّب ليفربول من إنهاء صيامه عن اللقب بعد 30 عاماً (Getty Images)

لكن صلاح سجل الهدف الافتتاحي في النهائي الذي كان على ليفربول الفوز به، نهائي دوري أبطال أوروبا 2019 في مدريد، والذي شكّل نقطة التحول للفريق الأول العظيم ليورغن كلوب. وعلى أي حال، فإن أعظم قدرات صلاح، إلى جانب أهدافه وتمريراته الحاسمة وسرعته المدمرة، تمثلت في كيفية قراءته وفهمه لإيقاع سباق اللقب كما لو كان مشجعاً. وفي موسم 2019-2020، فإن هدفه الحاسم أمام مانشستر يونايتد، خصمه المفضل الذي سجل في شباكه 16 هدفاً، كان إشارة إلى أن ليفربول سينهي انتظاراً دام 30 عاماً للفوز باللقب. وعندما فاز ليفربول بالدوري الإنجليزي الممتاز مرة أخرى، احتفل صلاح بصورة سيلفي أمام المدرج الشهير كوب ومع القطعة المفقودة قبل خمس سنوات: الجماهير.

كتب صلاح في رسالة وداعه عبر وسائل التواصل الاجتماعي: «لم أتخيل يوماً إلى أي مدى سيصبح هذا النادي، وهذه المدينة، وهؤلاء الناس، جزءاً من حياتي. ليفربول ليس مجرد نادٍ لكرة القدم، بل هو شغف وتاريخ وروح». وصلاح، الفتى القادم من قرية زراعية صغيرة في دلتا النيل، أدرك ذلك أكثر من أي شخص آخر. وسيبقى عهد الملك المصري حياً طويلاً بعد أن يخفت صدى الهتاف باسمه.

LiverpoolManchester UnitedManchester CityMohamed SalahSadio ManeRoberto FirminoAndy RobertsonPremier League